عقیدة الأباضیین و نظریتهم الدینیة

الأباضیة هی احدی المذاهب الاسلامیة التی انبثقت عن ظاهرة الخوارج فی معرکة النهروان . وتعتبر هذه الفرقة من اقدم المذاهب الاسلامیة و هی المجموعة الوحیدة المتبقیة من الخوارج . اشتق اسم هذه العقیدة و المذهب من اسم (عبد الله بن أباض التمیمی) و هو اول امام لهذه الطائفة الدینیة .

تعتبر فرقة الأباضیة حسب وجهة نظر المفکرین و المنظّرین الدینیین انها فرقة منفصلة عن الشیعة وکذا عن السنة . و بعبارة اخری لایعتبر الأباضیون من اصناف الشیعه و لا من اصناف السنة ، وهی بحد ذاتها لدیها عقائدها الخاصة و التی قد تتضمن احیاناً اوجه شبه فی هذا المجال معهما ایضاً. بالرغم من العدد القلیل جداً لاتباع هذه الفرقة ، مقارنة بالسنة و الشیعة ، إلا انها من الناحیة التاریخه تعد تیاراً مهما جداً .
 یعتبر الأباضیة ان مذهبهم هو (المذهب الحق) و هو (الفرقة الناجیة) و (الفرقة المحبة) و غیرها کما یعدون انفسهم اقدم المذاهب الاسلامیة و اقربها الی عصر النبوة و یعتبرون مذهبهم اقرب المذاهب الی روح الاسلام . و تعتبر الأباضیة من اکثر مجموعات الخوارج اعتدالاً ، و من هنا تعد اقرب مجموعة من الخوارج للسنة .
 مذهب الأباضیة هو اقدم المذاهب الاسلامیة حیث ظهر فی القرن الهجری الاول ، و نعت فی المصادر و الکتب الاسلامیة خلال النصف الاخیر من القرن الثالث انه بمثابة مذهب اسلامی . وقبل هذا التاریخ کان یطلق علیه مصطلحات ک(جماعة المسلمین) ، أو (اهل الدعوة) أو (اهل الاستقامة) . و کان بعض الخوارج المتشددین و المتطرفین یسمی هؤلاء (بالقعدة) أو مجموعة القاعدین ذلک لانه و حسب اعتقاد الخوارج ان الأباضیین لم یثوروا علی الحکام الظالمین و فضلوا العقود علی القیام . و بناءاً الی عقیدة الأباضیین انهم لم یتماشوا إطلاقاً مع الخوارج الذین یتألفون من اربع فرق ، و انهم لم یخوضوا الصراعات التی کانت قائمة بین الخوارج و الخلافة الامویة و العباسیة ، بل انهم انتفضوا احتجاجاً علی مثل تلک الاجراءات ، و اختاروا الاسلوب السلمی و بشکل خفی لنشر عقائدهم و افکارهم بدلاً من المعارک المسلحة .

ان تواجد و عیش مجموعة من الخوارج فی البصرة عقب واقعة النهروان و تأثرهم بنسیج المجتمع فی البصرة کوجود الصحابة المشهورین فیها مثل عبد الله بن عباس و کذا وجود الایرانیین و الموالی الایرانیین ، اضافة الی تواجد الفقهاء و التابعین و وجود عدد من رؤوس الخوارج ک(مرداس بن ادیة) و شقیقه (عروة) اللذین انتهجا سبیلا معتدلاً نال اقبال و اهتمام الآخرین ، کان السبب فی تأثر الأباضیین بهذه الاجواء و انتهاجهم السبیل المعتدل فی اسلوب التعاطی .
 ان الأباضیون و نتیجة لانتسابهم الی الخوارج توجّه الیهم اصابع الاتهام باثارة الحروب و العنف ومن هنا حاول علماؤهم جاهدین لابعاد تلک التهم عن فرقتهم . توجد هنالک نظریتین بین اوساط العلماء الأباضیین فیما یتعلق بمبدأ العلاقات مع غیر المسلمین . الاولی تعتبر ان الاصل فی العلاقة منذ البدایة هی الحرب ، و الاخری تبنی اسس العلاقة علی السلام و الصداقة و تجوز الحرب من اجل الدفاع فقط و لاغیر .
 کان الأباضیون فی بادئ الامر یتبنون النظریة الاولی ، إلا انه عقب ترمیم هیکلیتهم و اعادة بناء وجودهم اخذوا یمیلون الی النظریة الثانیة .
 و فی الوقت الحاضر یتبنی الأباضیون المعاصرون النظریة الثانیة ، و یعتقد علماؤهم الیوم و من جملتهم الشیخ احمد بن حمد الخلیلی ، مفتی سلطنة عمان و غیره من باقی علماء الأباضیین ان الاسلام هو دین السلام .


 کانت لدی القدماء من الأباضیین نظرة متشددة و متطرفة و ضیقة تجاه المسلمین الذین یعارضون مذهبهم خاصة الشیعة ، و لکن المهم الیوم ان علماء الأباضیة المعاصرین عدلوا عن تلک النظرة السابقة و یعتبرون المسلمین غیر الاباضیین، مسلمون دماؤهم محترمة و اموالهم ، وان ارضهم هی بلاد التوحید . و قد لمست هذه النظرة حالیاً خلال رحلتی الی هذا الموطن و اجتماعی مع مفتی دیاره و باقی الاخوة الذین یقطنون تلک البلاد ممن ینتحل المذهب الأباضی ، إذ بالامکان الشعور بذلک تماماً من خلال نوعیة النظرة و الکلام و السلوک الذی یتعاملون به . جاء فی الکثیر من النصوص التاریخیة القدیمة و التی تتحدث عن احوال الفرق و النحل ان الأباضیة تعتبر احدی فرق الخوارج ، و لکن کبار مفکری الأباضیة بذلوا مساعیهم لاخراج فرقتهم من العزلة و البغضاء و النفرة الموجودة تجاه الخوارج ، و یجهدون لاخراج الأباضیة عن صنف فرق الخوارج . و یفصحون و یوضحون بان اسم الخوارج لایلیق إلا بالفرق المتطرفة کالازارقة و النجدیة و الصفریة . و من هنا یؤکد و یبرر الشیخ الخلیلی و باقی علماء الأباضیة من المعاصرین و سائر علماء السلف من هذه الفرقة ان ما اعتبره المؤرخون و مصنفو الفرق من ان الأباضیة هم احدی فرق الخوارج او یطلقون اسم الخوارج علی الأباضیین ، انما جاء تسامحاً من قبل هولاء . ذلک لان الأباضیون یعتبرون من الاعداء السیاسیین لبنی امیة و بنی العباس ، و یعتقدون بان الخلافة و الامامة لیست حکراً علی بنی امیة و بنی العباس و العلویین و قریش فقط ، بل ان ای مسلم صالح بامکانه ان یکون اماماً و خلیفة! و لهذا السبب صنّفت الأباضیة الی جانب الفرق المتشددة التی ینطبق علیها اسم الخوارج و اعتبرت انها تشترک و تتحد معها فی العقیدة .
 ان الأباضیة و بصفتها النسخة المعَدّلَة من الخوارج تبنّت توجهات و اختارت افکاراً اکثر عقلائیة تتباین عن الخوارج الاوائل فی العدید من القضایا العقائدیة و السیاسیة . ان الأباضیین الیوم الذین یتواجدون غالباً فی عمان و کذا فی شمال و شرق افریقیا یستخدمون وسائل الاعلام الحدیثة کالشبکة العنکبوتیة (الانترنت) ولدیهم منظومة نشر الافکار و العقائد (العزّابة) فی شمال افریقیا و یزاولون نشاطات اجتماعیة و اعلامیة و سیاسیة لایستهان بها علی نطاف تلکم المناطق خاصة فی عمان، کما لدیهم تعاطٍ مناسب مع باقی المسلمین شیعةً کانوا ام سنة .
 اننی اتذکر انه قبل اکثر من عقدین حینما کانت لدی ثلاثة اجتماعات مع الشیخ احمد الخلیلی فی المسجد الحرام و وجدته من هناک انه شخص طلق المحیّا متواضع و فی ذات الوقت عالم جلیل، طلبت منه ان یسمح لی دون ای عقبة ان اطرح علیه اسئلة و استفسارات تدور حول الأباضیة فی المجتمع خاصة لدی الشیعة حیث لاقیت ترحیباً من سماحته و رحابة صدر .


 اتذکر انه فی هذا المجال و من اجل اثبات ان الأباضیین یفرقون عن الخوارج و عقائدهم ، اشار الی عدد من القضایا ، منها :-
-ان الأباضیین لایوجد لدیهم عداء لأیٍ من الصحابة . فیعتبرون ان جمیعهم عدولٌ و طاهرون ومنزهون و جدیرون بالوصف و انهم من اولیاء الله .
-ان امیر المؤمنین ابوالحسن علی ابن ابی طالب علیه السلام هو الخلیفة الرابع و هو غنی عن التعریف من حیث ذکر مناقبه و فضائله فلا یوجد نظیر له فی الزهد و العقل و العلم و الشجاعة و العدل و ذلک اشهر من ان یحتاج الی بیان .
و قال سماحته:-
-لدی الأباضیین خلافات جذریة وعداء مع الوهابیین خاصة علی صعید عدم رؤیة الباری عزوجل یوم القیامة و غیر ذلک . فالأباضیون لدیهم اشکالیات علی عقائد الغلاة کما یثیرون بعض القضایا فیما یتعلق بالامامة .
-یظهر عداء الأباضیین مع الوهابیة بوضوح للعیان بین صفحات کتاب (و سقط القناع) من تألیف مفتی الأباضیة الأعظم ، حیث انتقص بوضوح من ابن تیمیة و زعماء الوهابیة فی عدة مواضع منه.
 وخلافاً لعقیدة الازارقة الذین یعتبرون المسلمین الذین لاینتحون مذهبهم هم من المشرکین . فالأباضیون یعتبرون اموال المسلمین غیر الأباضیین کالسلاح  و الاطعمة و المیرة اذا ما اخذت فی الحرب فانها غنیمة و حلال . کما یعتبرون ان ارثهم حلالاً و الزواج منهم حلالاً . و یعتقدون بان الاغتیال و الاختطاف حراماً عدا اغتیال ذلک الشخص الذی یدعو الآخرین فی بلاد التقیة الی الشرک و هو مشرک ایضاً . و کذلک یعتبر الأباضیون ان مواطن الفرق الاسلامیة المخالفة لهم هی بلاد التوحید ، و ان الارض الوحیدة التی تعتبر بلاد الکفر هی القواعد العسکریة للسلطان . و من هنا فان باقی فرق الخوارج اعلنوا براءتهم من الأباضیة بسبب هذه المعتقدات المعتدلة .
 یذکر ان من بین فرق الخوارج فان الأباضیین هم الوحیدون الذین یمتکلون فقها مدوناً ، و یعتقد فقهاء الأباضیة انه من الممکن حصول الاجماع بین اهل الحل و العقد . کما ان لدیهم تقارب کبیر مع مذاهب اهل السنة و الجماعة الاربعة فی العدید من الاحکام الفقهیة (فی الصلاة و الصیام و الحج و الزکاة) .
 و بالنسبة الی علم الکلام و نظریاتهم علی هذا الصعید فانهم یحملون هذه العقیدة و هی لایمکن ان یقال لشخصٍ ما انه مؤمن أو کافر ذلک لان الوحی قد انقطع و ان ابابکر و عمر قد رحلوا عن الدنیا و لایوجد الیوم من یوضح الحقائق و یبینها و یمیز الکافر من المؤمن ، و من هنا فنحن لانقول للشخص انه مؤمن أو کافر . ان عدد من الکتّاب الأباضیین المعاصرین یعتقدون بان فرقة الأباضیة تختلف مع باقی الفرق الاسلامیة فی قضیتین فقط ، الاولی انهم یعتبرون ان عملیة التحکیم کانت خاطئة ، و الثانیة انهم لایشترطون کون الامام من قریش . اما فی باقی القضایا فانهم علی نفس عقیدة احد مذاهب الکلام الشهیرة ، فهم یتفقون فی وجهات النظر مع المعتزلة و الشیعة فی قضایا صفات الله و رؤیته و تنزیهه و فی تأویل القرآن و حدوثه . و یتفقون مع المعتزلة فی قضیة الاعتقاد بالشفاعة ، و یحملون نفس وجهات نظر الاشاعرة فی موضوع القدر و خلق الافعال .


 الجدیر ذکره عند تقصی تاریخ الأباضیین و قادتهم فی المصادر المعتبرة نجد ان هذه الفرقة احدی شعب الخوارج إلا ان علماء الأباضیة لایوافقون و یمتعضون من اطلاق اسم الخوارج علیهم أو اعتبارهم شعبة منهم . و یشبّهون اعتراض رؤوس الأباضیة علی امامة الامام علی علیه السلام ، بباقی الاعتراضات کاحتجاج اهل الردة فی عصر ابابکر و معارضة الاصحاب مع عثمان و اعتراض اهل الجمل علی الامام علی علیه السلام . فأیّ من تلک الاحتجاجات و الاعتراضات المذکورة لم تؤدی الی الخروج عن الدین الاسلامی ولم تکن سبباً فی اطلاق مصطلح الخارجی!
 انطلاقا من اعتراض الخوارج علی الامام علی علیه السلام و استناداً الی بعض المعلومات عن الماضین بشأن الأباضیة ، فان هولاء فی السابق کانوا یعتبرون الامام امیر المؤمنین علیه السلام و عدد کبیر من اصحاب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) انهم کفار . إلا انه و حسب قول علمائهم یتضح مایلی و هو ان اتباع مذهب الأباضیة الیوم لایوافقون علی هذه النسبة و لایعتقدون بها ابداً . بل ان الکثیر منهم یعتقد فی هذا المجال ان احد الادلة علی استمرار بقاء هولاء بعد معرکة النهروان هی وصیة و حدیث الامام امیر المؤمنین علی ابن ابی طالب علیه السلام ، الذی قال بشأنهم :-(لاتقاتلوا الخوارج من بعدی فلیس من طلب الحق فاخطأه کمن طلب الباطل فأصابه) . النقطة الجدیرة بالالتفات هی ان حدیث الامام علیه السلام اتضح بالتدریج مع انتهاء واقعة النهروان. حیث بدأت هذه المجموعة بتعدیل الکثیر من افکارها و نظریاتها ، و حسب کلام علمائهم وزعمائهم انهم فصلوا انفسهم عن الخوارج المتطرفین من کل ناحیة ، و یقولون ان اشتراک الأباضیة مع الخوارج فی مجال الاعتقاد بالامامة (ای عدم حصر الخلافة باسرة او قبیلة محددة) لایکون سببا فی تصنیف الأباضیة انها احدی فرق الخوارج . و إلا فان الأباضیة تشترک مع الاشاعرة فی الاعتقاد بقضیة القدر ، و مع المعتزلة فی قضیة خلق القرآن ، و مع الشیعة فی قضایا التوحید و الایمان و الخلود فی الجحیم . إلا ان کل واحدة منها هی فرقة منفصلة عن احدها الآخر.

و من هنا فنحن لانقول للشخص انه مؤمن أو کافر . ان عدد من الکتّاب الأباضیین المعاصرین یعتقدون بان فرقة الأباضیة تختلف مع باقی الفرق الاسلامیة فی قضیتین فقط ، الاولی انهم یعتبرون ان عملیة التحکیم کانت خاطئة ، و الثانیة انهم لایشترطون کون الامام من قریش . اما فی باقی القضایا فانهم علی نفس عقیدة احد مذاهب الکلام الشهیرة ، فهم یتفقون فی وجهات النظر مع المعتزلة و الشیعة فی قضایا صفات الله و رؤیته و تنزیهه و فی تأویل القرآن و حدوثه . و یتفقون مع المعتزلة فی قضیة الاعتقاد بالشفاعة ، و یحملون نفس وجهات نظر الاشاعرة فی موضوع القدر و خلق الافعال .


 الجدیر ذکره عند تقصی تاریخ الأباضیین و قادتهم فی المصادر المعتبرة نجد ان هذه الفرقة احدی شعب الخوارج إلا ان علماء الأباضیة لایوافقون و یمتعضون من اطلاق اسم الخوارج علیهم أو اعتبارهم شعبة منهم . و یشبّهون اعتراض رؤوس الأباضیة علی امامة الامام علی علیه السلام ، بباقی الاعتراضات کاحتجاج اهل الردة فی عصر ابابکر و معارضة الاصحاب مع عثمان و اعتراض اهل الجمل علی الامام علی علیه السلام . فأیّ من تلک الاحتجاجات و الاعتراضات المذکورة لم تؤدی الی الخروج عن الدین الاسلامی ولم تکن سبباً فی اطلاق مصطلح الخارجی!
 انطلاقا من اعتراض الخوارج علی الامام علی علیه السلام و استناداً الی بعض المعلومات عن الماضین بشأن الأباضیة ، فان هولاء فی السابق کانوا یعتبرون الامام امیر المؤمنین علیه السلام و عدد کبیر من اصحاب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) انهم کفار . إلا انه و حسب قول علمائهم یتضح مایلی و هو ان اتباع مذهب الأباضیة الیوم لایوافقون علی هذه النسبة و لایعتقدون بها ابداً . بل ان الکثیر منهم یعتقد فی هذا المجال ان احد الادلة علی استمرار بقاء هولاء بعد معرکة النهروان هی وصیة و حدیث الامام امیر المؤمنین علی ابن ابی طالب علیه السلام ، الذی قال بشأنهم :-(لاتقاتلوا الخوارج من بعدی فلیس من طلب الحق فاخطأه کمن طلب الباطل فأصابه) .

النقطة الجدیرة بالالتفات هی ان حدیث الامام علیه السلام اتضح بالتدریج مع انتهاء واقعة النهروان. حیث بدأت هذه المجموعة بتعدیل الکثیر من افکارها و نظریاتها ، و حسب کلام علمائهم وزعمائهم انهم فصلوا انفسهم عن الخوارج المتطرفین من کل ناحیة ، و یقولون ان اشتراک الأباضیة مع الخوارج فی مجال الاعتقاد بالامامة (ای عدم حصر الخلافة باسرة او قبیلة محددة) لایکون سببا فی تصنیف الأباضیة انها احدی فرق الخوارج . و إلا فان الأباضیة تشترک مع الاشاعرة فی الاعتقاد بقضیة القدر ، و مع المعتزلة فی قضیة خلق القرآن ، و مع الشیعة فی قضایا التوحید و الایمان و الخلود فی الجحیم . إلا ان کل واحدة منها هی فرقة منفصلة عن احدها الآخر.
و بشکل عام یمکننا القول هکذا ؛ ان وجود الاعتدال النسبی و الابتعاد عن التطرف لدی الأباضیین ادی الی اعتبار هولاء انهم أقرب الفرق الی اهل السنة و الجماعة . و علی طوال التاریخ فان بعض مجامیع الأباضیة کانت قد اقتربت اکثر من السنة ایضاً ، بشکلٍ نجد ان أباضیة لیبیا و تونس الیوم لدیهم فارق بسیط جداً مع السنة إلا ان الأباضیة فی الجزائر و عمان لایزالون باقین نوعاً ما علی منحی و اعراف الأباضیة القدیمة .
 ان الأباضیین ینکرون انتسابهم الی الخوارج ، و یعتبر مؤرخو الأباضیة البارزون ان تاریخ ظهور هذه الفرقة یعود الی عهد خلافة عثمان بن عفان و ان ذلک أقدم من زمن خروج الخوارج . وبالطبع فان اصطلاح الخوارج لدی الأباضیة لایطلق علی اولئک الذین ثاروا علی الامام علی ابن ابی طالب علیه السلام . بل یعتقد الأباضیة ان الخوارج هم الذین خرجوا عن الدین الاسلامی و یعتقدون ان الخروج من الاسلام یتحقق من خلال انکار واحدة من احکام الدین الثابتة و القطعیة او من خلال العمل بما هو بالتاکید خلافاً لنصوص احکام الدین . إلا ان التاریخ یشهد ان الأباضیة ظهروا اثناء تیار حرکة الخوارج ثم انتحلوا  مسلکاً مستقلا . و بالطبع فان الذی مهّد الارضیة لحصول الانفصال هو (ابو بلال مرداس بن أدَیَه) و أفکاره ، و تأثرت هذه المجموعة من اسلوبه و طریقته و انحازت عن مجامیع الخوارج المتطرفة و المتشددة کالازارقة و غیرهم .

النقل الشهیر ان مؤسس مذهب الأباضیة هو عبد الله بن أباض التمیمی ، و لاتتوفر معلومات دقیقة عن تاریخ ولادته و وفاته ، إلا ان المشهور انه ادرک عهد معاویة ابن ابی سفیان و کان حیاً حتی زمن عبد الله ابن مروان (65 – 85 ه ق) و وافته المنیة فی اواخر تلک الحقبة . کما ان عدداً من محققی مذهب الأباضیة لایفندون انتساب مذهبهم الی عبد الله بن أباض ، إلا انهم یرجحون نسبته الی جابر بن زید (ابو الشعثاء) و یعتقدون ان عبد الله کان یتخذ القرار فی وجهات نظره و اعماله استناداً الی فتاوی جابر بن زید .
 و البعض الآخر من المحققین یعتقد ان للمذهب الأباضی فی الحقیقة مؤسسین ، احدهما کان یتولی قیادته السیاسیة و هو عبد الله بن أباض ، و الآخر کان یتبنی الزعامة العلمیة و الفقهیة وهو جابر بن زید . فالأباضیة فی بادئ الامر لم تکن حرکة علمیة بل کانت احدی الحرکات السیاسیة الدینیة التی انبثقت بعد قضیة التحکیم ، و کانت لدیها مواقف معادیة للدولة الامویة ، و کان زعیم هذه الحرکة هو عبد الله بن أباض ذلک لانه أحد الشخصیات السیاسیة -الدینیة البارزة ذلک الحین. و ان جابر بن زید کان مرموقا أو شهیراً من الناحیة العلمیة فقط و لیست لدیه وجاهة سیاسیة . فی ذلک الحین اتخذت حرکة الأباضیة لها صفة المذهب و قد أیّد جابر بن زید اسلوب عبد الله السیاسی و عرف حینئذٍ انه الزعیم الدینی لمذهب الأباضیة .
 انتشر مذهب الأباضیة خلال القرن الهجری الثانی فی الیمن و حضرموت و الحجاز و کان العنصر الناشط فی نشر هذا المذهب شخص یعرف ب عبد الله بن یحیی و یلقب ب(طالب الحق) . تعالی صیت ثورته علی عهد مروان بن محمد آخر خلیفة اموی . و فی عهد المنصور الدوانیقی دخل معن بن زائدة مدینة حضرموت و عیّن شخصاً بالنیابة عنه هناک . إلا ان اهالی حضرموت قتلوه بقیادة زعیم المذهب الأباضی .
 أسس الأباضیون دولة فی لیبیا و الجزائر ایضاً و استمرت حکومتهم فی لیبیا لاکثر من ثلاثة اعوام (من 141 و حتی 144 ه ق) ، کما أسس عبد الله بن رستم دولة بنی رستم فی شمال افریقیا و استمرت هذه الدولة حوالی 150 عاماً اعتباراً من 144 و حتی 296 ه ق . و کانت عاصمة هذه الدولة مدینة (ناهرت) فی الجزائر و هی احدی المراکز المهمة لمذهب الأباضیة . امتدت دولتهم و ضمّت اکثر مناطق الجزائر وهران و جبال اوراس و نصف من تونس الجنوبیة و اغلبیة لیبیا .
 یقطن الأباضیة حالیاً مناطق محتلفة من العالم الاسلامی إلا ان مرکزهم الرئیسی هو سلطنة عمان، و اعتبرت عقیدة الأباضیة هو المذهب الرسمی لذلک البلد .

کما تقطن مجموعات من الأباضیة فی زنگبار (جزء من تانزانیا) ، و الصحراء الکبری فی افریقیا خاصة منطقة (میزاب) فی الجزائر ، و جبل (نفوسه) فی لیبیا ، و جزیرة (جربه) فی تونس .
 
*الدکتور هادی الانصاری عضو المجمع العلمی الطبی الایرانی و ناشط اجتماعی .

کد خبر 1357335

برچسب‌ها

نظر شما

شما در حال پاسخ به نظر «» هستید.
3 + 6 =